تعتبر مدينة الخليل من المدن العربية القليلة التي حافظت على استمرارية الاستقرار البشري فيها على مر العصور، على الرغم من عمليات التدمير والتهجير المستمرة التي تعرضت لها. وقد يكمن السبب من وراء هذه الاستمرارية في قدسيتها المميزة من جانب وموقعها الإستراتيجي والخصب من جانب آخر.

ارتبطت شهرة المدينة، بل استمرار وجودها على الرغم من التغييرات السياسية المتلاحقة، بأبي الأنبياء سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام، الذي حط ترحاله فيها، وأثر على تطورها لتحمل بعد الفتوحات الإسلامية اسمه وحتى الآن "خليل الرحمن"، أو ليختصر الاسم لاحقاً بـ"الخليل".

وقد حملت المدينة قبل ذلك أسماء عدة غير واضحة المعاني، منها كريات أربع؛ أي قرية الأربع، التي قد تعني القبائل أو التلال الأربعة، ومن ثم اشتهرت باسم "حبرى" و"حبرون"، مشتقة على الأغلب من فعل "حبر"، بمعنى ربط ووثق وصادق، أي صفة الصداقة (خليل الله) الذي تلقب بها سيدنا إبراهيم الخليل. وقد استمرت هذه التسمية مع صدر الإسلام، لتظهر في وثيقة (نطية) الرسول عليه السلام إلى تميم الداري ورهطه، ولتحل محلها تدريجياً "خليل الرحمن". ويكفي المدينة إجلالاً بأن نبي الله إبراهيم قد اختارها لتكون مدفن زوجته سارة، ومدفنه من بعد، لتتبعه ذريته، وهم: سيدنا اسحق، وسيدنا يعقوب وزوجاتهما، لتحاط هذه الجمهرة من القبور على يد هيرودوس الملك أو على الأقل باستخدام أسلوبه المعروف بـ "الهيرودياني" بسور شامخ عظيم البنيان، قاوم الدهر والحروب والدمار إلى يومنا هذا.