احتضنت مدينة الخليل، كغيرها من المدن الإسلامية، الكثير من الحرف والصناعات التقليدية، التي لعبت دوراً مركزياً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وقد أثرت حاجة السوق والمصادر الطبيعية المتوفرة في شكل هذه الصناعة وحجمها. فوفرة العنب مثلاً، دفعت باتجاه تطوير زراعته وبعض الصناعات القائمة عليه، كما أثر توفر المواد الخام في تطوير صناعة الزجاج في الخليل، التي أصبحت إحدى هويات المدينة منذ العصور الوسطى حتى الآن. ويذكر أن الموقع الجغرافي لمدينة الخليل، بالقرب من المناطق التقليدية للبداوة، وكمركز لريف ضخم، قد أثر أيضاً في إنتاج تلك البضائع التي تلبي حاجات البدو، كما اعتمدت على ما ينتجه البدو لإعادة تصنيعه وتقديمه إلى السوق. أما أهم الحرف التقليدية في الخليل:

 

1.صناعة الزجاج

 

وجدت صناعة الزجاج في عدد من حارات المدينة، كما أسلفنا، أهمها حارة القزازين، وكانت موزعة ضمن الأحياء في مبانٍ واسعة يتوسطها معمل الزجاج، وهو عبارة عن فرن يتم فيه إذابة الرمل الذي يتم إحضاره من برية الخليل الشرقية. ويتم صهر الرمل بواسطة الحرارة التي تصل إلى 1500 درجة مئوية، حيث يتحول الرمل إلى كتلة من الزجاج المنصهر يسهل من خلالها تشكيل الأدوات الزجاجية.
وفي بداية القرن العشرين، أصبحت هذه الصناعة شبه محصورة في عائلة النتشة نقلوها من جيل الى جيل.
وعلى الرغم من وجود بعض التغيرات في هذه الصناعة مثل المواد الخام، والأشكال المنتجة، ونوع الزبائن، وحاجاتهم، وطرق الحرق وموادها، فإنها احتفظت بطرق العمل نفسها وبالكثير من الأشكال التقليدية، وما زالت تحتفظ بالطابع القديم، فمثلاً الرمل لم يعد المادة الأساسية التي يحضّر منها الزجاج، فيستخدم اليوم قطع الزجاج المكسر، حيث يعاد صهره من جديد.
أما الموقع، فقد وجدت هذه الصناعة في البلد القديمة في حارة الزجاجيين بجانب بركة ومسجد القزازين، بينما تقع مصانع الزجاج حالياً في مدخل المدينة بجانب الشارع الرئيس. وأخيراً، هناك اختلاف بشكل عام من الغاية أو الهدف من صنع هذه الأدوات، فقديماً كانت تكتسب هذه الأدوات أهميتها لاستخدامها في الحياة اليومية، ومنها الأساور، وتكون مزخرفة بألوان متداخلة ومختلفة.
أما اليوم فيتم استخدام معظم الآنية المصنعة للزينة، لتوفر البديل العصري عنها، ولم يتغير شكل الآنية كثيراً، لكن التغيير قد أصاب طريقة الزخرفة لإظهار الآنية بأجمل ما يمكن، ومنها إضافة قطع من القماش المطرز بالأشكال النباتية التي تتوزع على جسم الأداة، ونجد بعض الأدوات المزخرفة بقطع من البرونز بأشكال نباتية مرصعة بالخرز الملون، والتي تفرد على أجزاء معينة من جسم الأداة مثل العنق، بالإضافة إلى المواد التي تستخدم باستعمال المواد البلاستيكية، ويتم رسمها بعد الانتهاء من عملية الصنع، وتكون بأشكال نباتية وهندسية ومتداخلة بالألوان المذهبة.
 
  
2. صناعة الخزف
ظهرت هذه الصناعة في مدينة الخليل في النصف الثاني من القرن العشرين، وارتبطت في بداية ظهورها بصناعة الفخار، حيث كان يتم طلاء الأدوات الفخارية مثل الصحون والكاسات بعد صناعتها بالطين الأبيض، الذي يتم استيراده من الخارج، ويتم شواؤها والرسم عليها، ومن ثم تزجيجها وتوضع في الفرن.

ظهرت هذه الصناعة في منطقة الفحص جنوب شرق البلدة القديمة، ثم انتقلت إلى منطقة واد التفاح. وتقوم هذه الصناعة على استيراد مادة الطينة الخام من إسبانيا أو إيطاليا بشكل قوالب (PATES CERAMIQUR)، حيث يتم تقطيعها حسب حجم الأداة المراد تصنيعها، وتصنع بواسطة قوالب جاهزة مصنوعة من الجبس، وتكون على شكل زبادي، وصحون وكاسات، وجاطات، وبلاط، حيث توضع العجينة في داخل القالب، وتحرك بواسطة الدولاب لتتخذ الشكل المطلوب، ومن ثم توضع في داخل الفرن الكهربائي بدرجة حرارة تصل 1060 درجة مئوية، حيث تتم عملية شواء الأدوات وتصبح بلون أبيض، ثم ترسم عليها رسومات غالباً تكون باليد أو من خلال الطباعة بالورق الشفاف، وعند الانتهاء تتم عملية التزجيج بوضعها في محلول ماء وبودرة (مادة زجاجية) لتعود إلى الفرن مرة أخرى بدرجة حرارة تصل إلى 1040 درجة مئوية، ومن ثم تكون الأداة جاهزة للبيع في الأسواق المحلية، لكن القسم الأكبر يتم تصديره إلى أوروبا وأمريكا اللاتينية.

    

 

3. دباغة الجلود
اعتمدت هذه الصناعة على صوف الضأن وشعر الماعز ووبر الجمال المتوفرة في المدينة والأرياف المحيطة، وكان يتم استيراد خيوط الحرير والصوف الجاهز من الخارج. وتبدأ هذه الصناعة بقص الصوف وغسله، ومن ثم يتم تنفيشه وجدله بشكل خيوط، بعدها يتم تسخين ماء يوضع فيه الأصباغ، التي لها أكثر من لون، وتبقى على النار لدرجة الغليان، حيث توضع فيه جدايل الصوف لتأخذ لون الصبغة، بعدها يتم تركها لتبرد، ومن ثم تجدل مرة أخرى وتغزل على الأنوال.

 

 

 

4. حرفة الغزل والنسيج
 

اعتمدت هذه الصناعة على صوف الضأن وشعر الماعز ووبر الجمال المتوفرة في المدينة والأرياف المحيطة، وكان يتم استيراد خيوط الحرير والصوف الجاهز من الخارج. وتبدأ هذه الصناعة بقص الصوف وغسله، ومن ثم يتم تنفيشه وجدله بشكل خيوط، بعدها يتم تسخين ماء يوضع فيه الأصباغ، التي لها أكثر من لون، وتبقى على النار لدرجة الغليان، حيث توضع فيه جدايل الصوف لتأخذ لون الصبغة، بعدها يتم تركها لتبرد، ومن ثم تجدل مرة أخرى وتغزل على الأنوال.

 

5. صناعة الفخار
وجدت هذه الصناعة في البلدة القديمة، ومن العائلات التي عملت فيها عائلة الفاخوري، التي قدمت على ما يعتقد من غزة، وقد توارث أبناء هذه العائلة المهنة. وتشير سجلات المحكمة الشرعية إلى وجود 6 مفاخر في مدينة الخليل، منها ثلاث لعائلة الفاخوري. وجدت هذه الصناعة في حارة المشارقة من الجهة الغربية، كما وجدت خلف مدرسة أسامة بن منقذ، وقد أطلق عليها طلعة التنانير، ثم انتقلت جنوب الحرم الإبراهيمي في منطقة السهلة. وكانت هذه الصناعة ذات أهمية في الحياة اليومية، حيث تصنع الأدوات المنزلية من زبادي وصحون وجرار صغيرة وكبيرة. وقد توفرت المادة الخام لهذه الصناعة في مدينة الخليل. وتصنع الأدوات بواسطة العجلة، وتزخرف بعض القطع باليد أو بواسطة ملقط، ثم توضع في الفرن لفترة من الزمن، ويتم بيعها في الأسواق المحلية
  

  

 

6. معاصر زيت الزيتون
وجدت معاصر زيت الزيتون في مدينة الخليل والمناطق المجاورة، ويطلق عليها "بد الزيت". ويتألف البد، كما هو الحال في باقي أنحاء فلسطين، من حجر الدرس ويسمى (القصعة)، ويعلوه حجر دائري الشكل كبير الحجم (حجر الهرس)، ويكون متصلاً بخشبة (العروسة) مربوطة على ظهر حيوان، وتدار بشكل دائري، حيث يتم هرس الزيتون. بعدها ينقل ويوضع في أكياس من الخيش أو سلال من القنب (قفف)، ويضغط عليه بواسطة المكبس، حيث ينساب الزيت منها إلى جرن في أسفله ويترك لفترة ليتم الفصل بينه وبين الماء والشوائب الأخرى .
وانتشرت معاصر الزيت في أنحاء مختلفة من المدينة، ومن المعاصر التي كانت موجودة في البلدة القديمة بد النتشة في حارة العقابة ويطلق عليه بد أبو خليل النتشة، ولا يزال موجوداً في البلدة القديمة، ويقع داخل العيادة الصحية الملاصقة لديوان آل النتشة، ويوجد بد آخر لعائلة النتشة يقع في طلعة الزاهد قرب المدرسة الإبراهيمية، وبد علي طه المصري ويقع في حارة الأكراد بالقرب من مقام الشيخ الأرزرومي، وبد ناصر الدين في حارة العقابة بالقرب من مسجد عثمان (اليوم مركز ثقافي تابع للجنة الإعمار)، وبد يقع في حارة بني دار يعود لعائلة التميمي، وقد وجد بد لعائلة الأشهب مقابل استراحة ومطعم الحرم الإبراهيمي، وفي شارع الشلالة وجد بد خلف قهوة أبو اشخيدم حالياً. وأخيراً، وجد بد زيت في منطقة باب الزاوية باتجاه تل الرميدة. لم تعد هذه المعاصر موجودة، والموجود منها مهجور أو تم بيعه أو طمره مع التغيرات التي حدثت في النصف الثاني من القرن العشرين، وذلك لاعتماد الناس على الآلات الحديثة في عصر الزيتون.

 

 

7. حرفة الحدادة
انتشرت هذه المهنة في البلدة القديمة، وكان ثمة سوق تسمى بـ"سوق الحدادين" وتقع عند باب خان الخليل. وعمل في هذه المهنة أكثر من عائلة. وكانوا يستوردون الحديد من القدس وحيفا. ومن مصنوعاتهم الفؤوس والمجارف وسكاكر (زرافيل) الأبواب العربية المصنعة من الخشب، والمفصلات، وأبواب للآبار، والأزاميل، والمناجل، والنخل، والمسامير، وزخارف الأبواب الحديدية. وكانوا يستخدمون النار والمطرقة لتطويع الحديد، وكانت منتجاتهم تباع في المدينة والقرى المحيطة، وما زالت مهنة الحدادة العربية موجودة في البلدة القديمة.
 
 
 
 
 
 
8. معاصر السمسم
تعتبر منتجات السمسم، وبخاصة الطحينة، من المواد الغذائية الأساسية في المطبخ الفلسطيني، حيث تدخل في كثير من الأكلات الشعبية، أهمها الحمص والمتبل، وصواني اللحمة ... الخ، في حين يستعمل زيت السمسم (السيرج) في تحضير الكثير من الحلويات. وتعتمد هذه الصناعة على بذور نبات السمسم، وقد تمركزت في سوق اللبن من البلدة القديمة. وكان يتم استيراد السمسم من شمال فلسطين، وبخاصة من منطقة جنين (سهل عرابة)، وسهل مرج بن عامر، ومن عكا. 
 

أما ما تبقى من عملية عصر السمسم، فيسمى "كسبة"، وهي تكون على شكل مادة لينة كثيفة جداً وبنية اللون. وتعتبر الكسبة، وهي قشور السمسم، مادة غذائية غنية جداً، كانت تستخدم لتغذية الأبقار لرفع كمية الحليب، كما استهلكتها النساء المرضعات للغرض نفسه.

أما صناعة الطحينة، فلا تختلف كثيراً، فتبدأ بنقع السمسم لمدة أطول تصل إلى ثماني ساعات لإزالة الأتربة والقش، حتى تصبح القشرة لينة، ومن ثم تنقل للمقشرة، وهي عبارة عن طاحونة لها مضارب خشبية، يؤخذ بعدها السمسم ويوضع في حوض من الماء والملح لفصل القشرة عن السمسم الذي يطفو على السطح لينقل إلى حوض آخر، ويوضع عليه ماء عذب لتصفية الشوائب، وتكرر العملية أربع مرات، بعدها يوضع في فرن على نار هادئة أو يعرّض للبخار مدة ساعتين، بعدها يترك ليبرد، ومن ثم يطحن السمسم بواسطة طاحونة حجرية لها مجرى يصل إلى حوض.